أحمد بن علي القلقشندي
97
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
نحمده على أن نصر بنا جيش الإسلام في أرجاء ملكنا الشّريف وجهاته ، وجعل البركة واليمن بأمرنا في حالتي محوه وإثباته ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة زادت في جزاء المخلص وحسناته ، وأضحت نورا يسعى بين يديه إلى رحمة ربّه وإلى جنّاته ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الَّذي أظهر اللَّه به واضح آياته ، وأصبح النّشر عابقا من نشر راياته ، ومحا الفترة ( 1 ) بهديه وسرّ سرائر أوليائه وأكمد قلوب عداته ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه ما تأرّج النّسيم في هبّاته ، وأبهج العطاء بجزيل هباته ، وسلَّم تسليما . وبعد ، فإنّ من النّعم ما إذا عادت أقرّت العيون ، وحققت الآمال والظَّنون ، ورفعت الأقدار وإن لم يزل رفيعا محلَّها ، وجمعت المسارّ الممتدّ على الأفئدة ظلَّها ، وعمرت ربوع الإحسان ، وغمرت بمنائحها الحسان ، كهذه النّعمة الَّتي تلقّت الإقبال من حافل غمامه ، وجمعت شمل التّقديم مشفوعا بإكرامه ، وأعادت سماء التّكريم هادية بقطبها ، مشرقة الأرجاء بنور ربّها ، وسفرت بدورها بمن هو أولى باجتلائها ، وتهيّأت رتبها لمن هو جدير باعتلائها ؛ وحقيق بأن تعود المواهب بعد فترتها ، وأن تقبل عليه وجوه المنائح بعد لفتتها ، لتصبح كواكب الإسعاد كأنّها ما أفلت ، وعطايا التّخويل كأنّها ما انتقلت ، ويعود عليه اليوم كأمسه ، ويرجع أفق العوارف الجسام مشرقا ببدر الاجتباء وشمسه . ولمّا كان فلان هو الَّذي حسنت في الخدم الشّريفة آثاره ، وحمد إيراده في المهمّات الشريفة وإصداره ، وشكره شامه ومصره ، وسما في كلّ جهة حلَّها محلَّه وقدره ، وتحقّقت منه رآسة قضت له بإبداء النّعم وإعادتها ، وأن تجري له الدّولة من الإكرام على أجمل عادتها ، وأن ترعى له حقوق ألفها حديثا وقديما ، وتنشر عليه ظلال الفضل حتّى لا يفقد منها على طول المدى تكريما .
--> ( 1 ) الفترة : الضعف . والفترة أيضا : المدة تقع بين نبيين ؛ ولعله هو المقصود . وفي التنزيل العزيز : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ » . وبما أن النبي محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان آخر النبيين فقد محا الفترة ، بالمعنى المشار إليه .